08 août 2008
ملاح بين البحرين
ملاح بين البحرين
عبد الصمد بنجودة في البحر الأبيض المتوسط بطنجة. مايو 2007. بعدسة الزميل برايز
جاء من مدينة البحر والأسماك آسفي ليحط بمدينة ساحلية أخرى غيرت طباعه وجعلت منه شخصا آخر. إنه عبد الصمد بن جودة الذي انتقل في مسيرته المهنية بين البحار: تارة في إذاعة المتوسط و تارة في إذاعة الأطلسي. تلك قصة ابن آسفي عاشق البحر الذي لا يزال رغم تمرسه في البحار يخشى السباحة وركوب الأمواج.
لم يكن عبد الصمد بن جودة القادم من مدينة أسفي يظن يوما أنه سيرتبط في زواج أرتذوكسي ،أشبه بزواج رجال دين الكنيسة الشرقية، بالبحر طيلة حياته التي قاربت الرابعة والعشرين ربيعا.
رأى النور على ساحل مدينة ساحلية يقدس أهلها ماء المحيط الأطلسي. ابن آسفي كان يجلس وهو لم يتجاوز الرابعة من عمره في شاطئ مدينته. يراقب حركة السفن والبواخر و هي تعود محملة بالأسماك وما جاد به البحر.
ارتسم البحر منذ ذلك الزمان في مخيلة عبد الصمد الصغير وراح يرسم أمواجه وزبده على أولى أوراق كتبه حتى قبل أن يتعلم أبجديات الكتابة. يحكي أحد أصدقاء عمره ممن لم يفارقوا عبد الصمد أنه كان يهرب من حصص الدراسة في الابتدائي ليتمتع بمنظر طيور النورس وهي تحلق عاليا في سماء مدينة آسفي.
تنازع بنجودة شعوران: هل يتمم دراسته أم يتجه للتخصص في ميدان البحر. كان منذ صغره يعشق حياة الربابنة و يستمع بلهف لأصواتهم في ذلك البرنامج الإذاعي الشهير الذي يبث على الإذاعة الوطنية.
انتقل عبد الصمد إلى مدينة الجديدة مدينة ساحلية أخرى على ضفاف الأطلسي ليكمل تعلم الانجليزية. مكث في مكان غير بعيد عن البحر. كانت شرفة الجامعة تطل مباشرة على أهم شواطئ المدينة.
" كنت غالبا ما أجده شاردا، يجلب في النافذة التي تطل على البحر"، تقول أستاذة لمادة الترجمة درست عبد الصمد.
لم يفارق عبد الصمد في غرفته بالحي الجامعي ذلك الراديو الذي أهداه له ذات يوم بحار من مدينة آسفي. كانت الموسيقى تختلط مع هدير أمواج البحر. ينتظر ساعات ولا يمل من الانتظار. يستمع كل يوم إلى البرنامج الإذاعي الذي يحكي أحوال البحارة والربابنة في أعالي المحيطات.
جمع عبد الصمد بين حب البحر والإذاعة و من تم نزل قراره المفاجئ: سينتقل حالا إلى مدينة ساحلية أخرى. هذه المرة إلى الرباط لكي يدرس الصحافة بمعهدها.
حمل بنجودة لوازم البحر وعدته وانتقل إلى العاصمة. ظل البحر في مخيلته لم يفارقه للحظة." كان عبد الصمد يستعد للامتحانات في شاطئ مدينة الرباط"، يقول عبد الله إيماسي زميل عبد الصمد في الدراسة ورفيق دربه حاليا.
تشاجر عبد الصمد كثيرا مع أبناء مدن ساحلية أخرى. كان رغم حبه للبحر يخشى السباحة فيه وركوب الأمواج. علاقته بالبحر مجرد زواج أرتذوكسي تكفي طقوسه لإعلان الزواج.
كاد بنجودة أن يؤسس ديانة جديدة تتعلق بالبحر. كانت أهم خلواته في البحار والمحيطات خاصة عند كانت يتشاجر مع أبناء البيضاء.
" تشاجرت مع الصمد من أجل البحر. كنت دائما أجد أكياس الرمال في الغرفة التي نقتسمها" يحكي أحد زملاء عبد الصمد ورفيق غرفته.
حصل عبد الصمد على دبلوم المعهد بعد أربع سنوات من المد والزجر في علاقته بالمعهد. ظل حلم المزج بين البحر والصحافة قائما في مخيلة ابن آسفي فقرر بنجودة قراره العظيم: لن يشتغل إلا في وسائل الإعلام البحرية.
ارتحل عبد الصمد إلى طنجة و في نفسه شيء من سؤال. إنه القادم من مياه الأطلسي و و هو الآن يؤمم وجهه شطر المتوسط الذي كان يخشاه منذ صباه.
. اشتغل في إذاعة البحر الأبيض المتوسط لمدة شهرين ونصف قبل أن تصدق تنبؤاته. ببساطة لا يعرف كيفية السباحة في البحار التي لا توجد بها أمواج. فربابنة المتوسط أشداء على الغريب، رحماء بينهم.
جمع عبد الصمد أغراضه بسرعة وركب أول قطار يتجه إلى مدينة ساحلية أخرى. هذه المرة إلى مدينة أعدائه الدار البيضاء. لم ينتظر عبد الصمد طويلا ليشتغل في إذاعة بحرية أخرى: إذاعة الأطلسي أتلانتيك. هناك سيسبح عبد الصمد مع التيار وسيقاوم الأمواج كل يوم في صراعه الأبدي مع جبروت البحر.
عشق بنجودة البحر.لذلك تجده هذه الأيام يجلس في شاطئ عين الذياب في انتظار معشوقة تخرج من البحر ليرتبط معها في زواج شرعي هذه المرة وفق الشريعة الإسلامية. كل حلم عبد الصمد الآن أن تكون له ذرية تعشق البحر و ترمي برماده في مياهه عندما يفارق دنيا البحار والمحيطات.
يونس أيت مالك
Commentaires
جميل
أعجبني الربط بن البحر والشخصية في ما كتبت.
وجدت النص جميلا وراقني ما فيه من فكاهة رقيقة. انحناءة اعجاب من عاشق للأسلوب
عزالدين الهادف
شكرا عز الدين
شكرا عز الدين على تعليقك. أتمنى أن أكون قد أصبت الهدف يا أيها الهادف.
Poster un commentaire
Rétroliens
URL pour faire un rétrolien vers ce message :
http://www.canalblog.com/cf/fe/tb/?bid=332123&pid=10179287
Liens vers des weblogs qui référencent ce message :
